عدن.. عاصمة اليمن المؤقتة ومفترق طرق الملاحة الدولية

مدينة يمنية عريقة، تقع على الساحل الشمالي لخليج عدن، تُعدّ كبرى مدن جنوب البلاد، وأصبحت منذ عام 2015 العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.
تتمتع المدينة بموقع استراتيجي مميز عند ملتقى طرق الملاحة البحرية الدولية، مما أكسبها أهمية اقتصادية وتجارية عالمية، إذ كان ميناؤها عبر العصور مركزا تجاريا مهما، وممرا رئيسيا للتجارة العابرة بين أوروبا وشرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وشرق آسيا.
وتتميز عدن بالتعددية الثقافية، حيث أسهم موقعها في جعلها فضاء لاستقبال ونقل تأثيرات ثقافية متنوعة، فكانت بمثابة مركز تاريخي للتفاعل الثقافي والديني بين الشرق والغرب، وهو ما تجلى في تنوع آثارها الدينية التاريخية، بما في ذلك المساجد والكنائس والمعابد الهندوسية.
الموقع والجغرافيا
تقع مدينة عدن جنوب غرب شبه الجزيرة العربية على ساحل الخليج المسمى باسمها على بعد حوالي 170 كيلومترا شرق مضيق باب المندب، وتحدها محافظة لحج من جهتي الشمال والغرب، بينما تحدها محافظة أبين من الشرق وخليج عدن من الجنوب.
وتقدر مساحتها الإجمالية بنحو 750 كيلومترا مربعا، وتتميز بتنوع مظاهرها الطبيعية، بين مرتفعات أبرزها جبل شمسان الذي يتجاوز ارتفاعه 500 متر، وشريط ساحلي ممتد يحيط بها من عدة جهات، إلى جانب عدد من الجزر المتناثرة بمحاذاة السواحل، مثل جزيرة صيرة وجزيرة حبان.
وتتمتع المدينة بمناخ حار رطب صيفا، ودافئ رطب شتاء، بمتوسط درجة الحرارة يبلغ نحو 27 درجة على مدار العام.

السكان
تعد عدن ثاني أكبر مدينة يمنية من حيث التعداد السكاني، ويُقدِّر برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في "ملف عدن للتنميط الحضري" لعام 2020 عدد سكانها بنحو 1.14 مليون نسمة، بما في ذلك نحو 140 ألف لاجئ ومهاجر أفريقي، معظمهم من الصومال.
الاقتصاد
يجمع الاقتصاد في عدن بين القطاعات الخدمية والتجارية والصناعية إلى جانب السياحة وصيد الأسماك، وتكتسب المدينة أهمية خاصة كونها ميناء تجاريا ومنطقة تجارة حرة إقليمية ودولية، وتعتمد الحياة الاقتصادية فيها إلى حد كبير على أنشطة الميناء ومرافقه، مثل الشحن والتخزين والخدمات والأنشطة التجارية.
ومنذ عام 1954، تحولت عدن إلى منطقة صناعية بفضل تأسيس مجمع الصناعات القائم على مصافي النفط، كما أُنشئ فيها لاحقا ما يزيد على 10 مصانع لإنتاج الملح، فضلا عن بعض الصناعات الخفيفة وإنتاج الكيمياويات والخشب والأحذية البلاستيكية والأغذية ومنتجات التبغ.
وتتوافر في أراضيها معادن متنوعة، مثل: السكوريا والبرلايت والزجاج البركاني، إضافة إلى معادن طينية تستخدم في صناعة الإسمنت والطوب الحراري.
ولكن الصراع المستمر على السلطة، وما صاحبه من مواجهات عسكرية، ولا سيما منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ألحق خسائر فادحة بالبنية التحتية والاقتصاد والخدمات في المدينة، مما أدى إلى أزمة اقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وتدهور الأمن الغذائي.
ووفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 26 أبريل/نيسان 2021، "لم تعد عدن تُعرف مركزا اقتصاديا، بل أصبحت كابوسا إنسانيا"، حيث يقع 790 ألف شخص فيها تحت طائلة الحاجة، منهم 57% في حاجة ماسة.
المعالم البارزة
تتمتع عدن بموروث ثقافي وحضاري غني، وتزخر بالعديد من المعالم الأثرية التي تعكس تاريخها الطويل والمتنوع.
ومن أشهر المواقع التاريخية في المدينة:
- صهاريج الطويلة: وهي خزانات تقع في منطقة الطويلة، يعود تاريخ أقدمها إلى الفترة بين 1500 و3000 قبل الميلاد، وتمثل الصهاريج إنجازا هندسيا فريدا استُخدم لآلاف السنين لتجميع مياه جبل شمسان وتلبية احتياجات السكان، ولا تزال تعمل لحماية المدينة من مخاطر الفيضانات المفاجئة.
- قلعة صيرة: وهي عبارة عن حصن بركاني يقع على جزيرة صيرة، بُني في القرن الثاني عشر الميلادي على طراز معماري محلي، واستُخدم مركزا عسكريا لحراسة ميناء عدن القديم.

التاريخ
كانت عدن مركزا اقتصاديا رئيسيا في جنوب شبه الجزيرة العربية منذ مطلع الألف الأول قبل الميلاد، وقد شكلت إحدى الحلقات المهمة في شبكات التجارة البحرية التي ربطت حوض البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي، واستخدمها تجار اليونان والرومان القدماء، كما ظلت لاحقا ميناء تجاريا مهما في ظل الحكم العربي.
وفي مطلع القرن التاسع عشر، أنشأت بريطانية حامية عسكرية فيها، ثم احتلتها عام 1839، وجعلت منها محطة لتزويد السفن بالفحم على طريق البحر الأحمر المؤدي إلى الهند.
وطوال الحقبة الاستعمارية ظلت عدن مركز نقل إقليميا رئيسيا، كما برزت كنقطة عبور مهمة وواحدة من أكثر محطات التزود بالوقود ازدحاما في العالم.
وبعد استقلال الجنوب اليمني عن الحكم البريطاني عام 1967، أصبحت عدن العاصمة السياسية لجمهورية اليمن الشعبية (اليمن الجنوبي). ومع اندماج شمال اليمن وجنوبه في دولة اليمن الموحدة عام 1990، انتقلت العاصمة إلى صنعاء، بينما احتفظت عدن بأهميتها كونها المركز الاقتصادي الرئيسي للبلاد.
الحراك الجنوبي
لم تتمكن الوحدة بين شقي اليمن من الصمود طويلا، حيث تراجع قادة سابقون في الحزب الاشتراكي اليمني عام 1994 عن دعمها، على خلفية نزاع مع الجانب الشمالي حول تقاسم السلطة ودمج الجيش.
وأفضى النزاع إلى اندلاع حرب أهلية في مايو/أيار 1994، واجتاحت قوات الدولة الموحدة مدينة عدن، وتمكنت من القضاء على الحراك في يوليو/تموز من العام نفسه.
ولكن المطالبة بالانفصال لم تتوقف. ففي عام 2007 انطلق الحراك الجنوبي من جديد، احتجاجا على ما عُدّ تهميشا وإقصاء سياسيا واقتصاديا، وطالب المحتجون بفك الارتباط واستعادة دولة الجنوب.
ومع ذلك، خفتت مطالب الانفصال إبان الثورة التي شهدتها البلاد عام 2011 ضمن موجة الربيع العربي، والتي أطاحت بحكم الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، وأفضت إلى نقل السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي.
وفي سبتمبر/أيلول 2014، استولى الحوثيون على العاصمة اليمنية صنعاء، واضطر الرئيس هادي إلى نقل المؤسسات الوطنية إلى عدن التي أصبحت منذ أوائل عام 2015 العاصمة المؤقتة للبلاد.
واشتد الصراع في البلاد منذ ذلك الحين، وتعرضت عدن لهجوم شرس من قوات الحوثيين، كما هاجمت وحدات من الجيش اليمني الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح مطار عدن واستولت عليه في مارس/آذار 2015، غير أن الحكومة سرعان ما استعادت السيطرة على المدينة، بدعم من قوات التحالف العربي الذي تقوده السعودية.
المجلس الانتقالي الجنوبي
شهدت عدن مواجهات عسكرية مطلع عام 2018 بين قوات الحكومة وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي بات عقب تأسيسه عام 2017 مظلة جامعة للحراك الجنوبي الساعي لاستقلال جنوب اليمن عن شماله.
وأسفرت الاشتباكات عن سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على المدينة، قبل تدخل مجلس التعاون الخليجي لفرض وقف إطلاق النار، مما أدى إلى انقسامها إلى مناطق نفوذ.
وفي 26 أبريل/نيسان 2020، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي إدارة ذاتية في عدن والمحافظات الجنوبية الخاضعة لسيطرته، لكنه تراجع في يونيو/حزيران عن قراره عقب تدخل سعودي داعم لجهود المفاوضات.
وبحلول أواخر عام 2025، سيطر الانتقالي الجنوبي على محافظة المهرة ومعظم مناطق حضرموت، وأعلن رئيسه عيدروس الزبيدي في يناير/كانون الثاني 2026 عن بدء مرحلة انتقالية مدتها عامان، تشمل حوارا مع أطراف من شمال اليمن تحت إشراف الأمم المتحدة، إلى جانب تنظيم استفتاء لتقرير مصير الجنوب.
لكن الإعلان قوبل برفض حكومي وإقليمي واسع، فضلا عن أن القوات الحكومية أعادت في الشهر نفسه سيطرتها على المحافظتين، في حين دعت السعودية إلى مؤتمر حوار شامل في الرياض بهدف التوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية.
وفي السابع من يناير/كانون الثاني 2026، استيقظ اليمنيون على أنباء عن هروب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي الذي أسقط مجلس القيادة الرئاسي اليمني عضويته فيه، وأحاله إلى النائب العام بتهم تشمل الخيانة العظمى وتشكيل عصابة مسلحة وارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.