جنيف عاصمة السلام ومركز الدبلوماسية الدولية

مدينة جنيف تضم مقار أكثر من 200 منظمة دولية (رويترز)

مدينة سويسرية لقبت بعاصمة السلام لترسخ مكانتها باعتبارها أرضا محايدة للمفاوضات وتسوية النزاعات، واحتضنت محطات بارزة في تاريخ التحكيم الدولي.

تضم المدينة المقر الأوروبي للأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة الصحة العالمية، إلى جانب أكثر من 200 منظمة دولية أخرى. وبفضل هذا الحضور المؤسسي الواسع، غدت جنيف مركزا عالميا للحوار وصنع القرار وتعزيز حقوق الإنسان.

الموقع والمساحة

تقع جنيف في أقصى جنوب غرب سويسرا، ضمن الجزء الناطق بالفرنسية من البلاد، حيث يمتد إقليمها (كانتون جنيف) داخل الأراضي الفرنسية.

وتتموضع المدينة عند الطرف الجنوبي الغربي لبحيرة جنيف (لاك ليمان)، عند نقطة التقاء البحيرة بنهر الرون، على ارتفاع يبلغ نحو 375 مترا فوق مستوى سطح البحر، في حوض طبيعي تحيط به سلاسل جبلية، وتشرف على الممر السويسري الرابط بين جبال الألب وجبال جورا، كما تُعد نقطة عبور للطرق المؤدية إلى إيطاليا، وللمسارات المتجهة نحو البحر الأبيض المتوسط عبر محور سون رون.

تبلغ المساحة الإجمالية لإقليم جنيف نحو 282 كيلومترا مربعا، منها نحو 18 كيلومترا مربعا تمثل مساحة المدينة الحضرية نفسها.

GENEVA, SWITZERLAND - JUNE 15: Special forces of the Swiss police ride on motorboats as a Swiss flag flies nearby on Lake Geneva not far from the venue where U.S. President Joe Biden and Russian President Vladimir Putin are scheduled to meet on June 15, 2021 in Geneva, Switzerland. Biden and Putin are to meet in Geneva for a one-day summit at the nearby Villa La Grange tomorrow. (Photo by Sean Gallup/Getty Images) (غيتي إيميجز)
قوات خاصة سويسرية في بحيرة جنيف أثناء قمة جمعت الرئيسين الروسي والأمريكي عام 2021 (غيتي)

التاريخ

يعود أول ذكر لجنيف إلى عام 58 قبل الميلاد، حين كانت مستوطنة رومانية ونمت سريعا لتصبح مدينة تجارية بارزة في قلب أوروبا في العصور الوسطى.

وبفضل موقعها الاستراتيجي، كانت المدينة هدفا متكررا للغزوات، وتغيرت سلطتها مرات عدة قبل أن تؤسس نفسها جمهورية مستقلة عام 1535، ثم تحقق الاستقلال النهائي عام 1602 حين صدّ سكانها محاولة غزو شنتها قوات دوق سافوي. ويُحتفل بهذا الحدث التاريخي سنويا تحت اسم "ليسكالاد".

وبعد إلغاء مرسوم نانت منتصف القرن السابع عشر، تحوّلت جنيف إلى ملاذ رئيسي لأعداد كبيرة من البروتستانت المضطهدين من مختلف أنحاء أوروبا، وجعلها مركزا دينيا وثقافيا بارزا وأكسبها لقب "روما البروتستانتية"، نظرا لدورها كمأوى للمجتمع البروتستانتي في أوروبا.

إعلان

ومرسوم نانت هو قانون سنّه ملك فرنسا هنري الرابع عام 1598، وكان يهدف إلى تشجيع التسامح الديني ومنح البروتستانت حرية العقيدة والعبادة داخل مملكة فرنسا، ويُعد من أبرز الوثائق التي مهدت لعصر النهضة الأوروبية.

في هذه الفترة، ظهرت أولى موجات صانعي الساعات والصاغة والحرفيين، الذين ساهموا لاحقا في تعزيز شهرة جنيف عالميا بدقة حرفتها وجودتها.

GENEVA, SWITZERLAND - JUNE 20: Flags stand outside the United Nations (UN) building on the day of a meeting between the E3 foreign ministers and their Iranian counterpart on June 20, 2025 in Geneva, Switzerland. The European ministers have said they are seeking a diplomatic solution to avert the escalating war between Israel and Iran, in which US President Trump has threatened to intervene. Prior to meeting with the Iranians, the Europeans were also meeting with EU foreign policy chief Kaja Kallas. (Photo by Sedat Suna/Getty Images)
مقرّ الأمم المتحدة في جنيف (غيتي)

وعلى مدى القرون التالية، استقطبت جنيف الأرستقراطيين الأثرياء الذين بنوا القصور والمباني الكبرى حول المدينة، وتبعهم فلاسفة وفنانون بارزون مثل فولتير وجان جاك روسو، مما أضاف طبقة من الرقي الثقافي والفكري إليها.

وفي 12 سبتمبر/أيلول 1814، انضمت جنيف إلى الاتحاد السويسري، وسرعان ما تطورت لتصبح مركزا مصرفيا بارزا وأحد المراكز المؤثرة في مسار الثورة الصناعية الأوروبية.

وفي عام 1864، أسس رجل الأعمال السويسري هنري دونان اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف، مما أسهم في ترسيخ مكانة المدينة مركزا دوليا للعمل الإنساني ودعم حقوق الإنسان.

كما احتضنت جنيف أول اجتماع لعصبة الأمم عام 1920،  ثم افتُتح فيها المقر الأوروبي للأمم المتحدة عام 1946، مما عزز دورها بوصفها من أبرز العواصم الدولية في العالم.

حاضنة الدبلوماسية الدولية

تُعد جنيف من أبرز العواصم العالمية للعمل الدبلوماسي المتعدد الأطراف، إذ تحتضن عددا كبيرا من مقار المنظمات والهيئات الدولية، وشهدت صياغة العديد من المعاهدات والاتفاقيات ذات الأثر العالمي.

ومنذ القرن التاسع عشر، ترسخت مكانة جنيف بوصفها أرضا محايدة للمفاوضات الدولية. ويُطلق على إحدى قاعات مبنى بلديتها اسم "غرفة ألاباما" تخليدا لقضية التحكيم المعروفة بـ"تحكيم ألاباما" عام 1872 بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، والتي شكّلت سابقة مهمة في تاريخ تسوية النزاعات عبر التحكيم الدولي.

epa05952543 Visitors arrive at the globe of science and innovation at the CERN, the European Organization for Nuclear Research, in Meyrin near Geneva, Switzerland, 09 May 2017. The LINAC 4 accelerator is the first of several tools being implemented by the CERN to provide brighter beams to the large hadron collider (LHC), targeting a ten fold increase by 2025 in order to achieve more precise and higher sensitivity measurements. EPA/VALENTIN FLAURAUD
قبة العلوم والابتكار في مركز الأبحاث الأوروبي النووي بجنيف (الأوروبية)

وتضم جنيف المقر الأوروبي للأمم المتحدة، إلى جانب مقار منظمات دولية رئيسية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية، كما تحتضن المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن).

ويقع في المدينة قصر الأمم، الذي شُيد مقرا لعصبة الأمم، ثم أصبح لاحقا مقر الأمم المتحدة في أوروبا، وعزز مكانة المدينة مركزا رئيسيا للحوار الدولي وصنع القرار المتعدد الأطراف.

وبفضل هذا الحضور المؤسسي الواسع -الذي يضم أكثر من 200 منظمة دولية وعددا كبيرا من المنظمات غير الحكومية- تؤدي جنيف دورا محوريا في العمل الإنساني ومبادرات السلام وحقوق الإنسان، وهو ما أكسبها لقب "عاصمة السلام".

المصدر: الجزيرة

إعلان